الكاتب : د. شهد ماجد المقدمة: تُشكّل العلاقة بين الحالة النفسية والجسد محورًا جوهريًا في فهم كثير من الحالات الصحية المعقدة، التي لا يمكن تفسيرها بالأسباب العضوية وحدها. ومن أبرز هذه الحالات ما يُعرف بالاضطرابات النفسجسدية (Psychosomatic Disorders). يشير هذا المصطلح إلى تداخل “psyche” (النفس) مع “soma” (الجسد)، وهي ظاهرة طبية تعكس التأثير العميق للعوامل النفسية في ظهور أعراض جسدية حقيقية ومزعجة. قد يعيش البعض لسنوات وهم يعانون من آلام جسدية مزمنة، دون أن تظهر التحاليل أو الصور الطبية أي خلل واضح. ومع ذلك، تستمر المعاناة وتتفاقم. هنا، تبرز الاضطرابات النفسجسدية كاحتمال مهم يُعيد تفسير ما يحدث في الجسد من خلال ما يحدث في النفس، ويفتح الباب لفهم أعمق… ومنظور مختلف. 2. ما هي الاضطرابات النفسجسدية؟ الاضطرابات النفسجسدية (Psychosomatic Disorders) هي حالات تظهر فيها أعراض جسدية حقيقية، لكن لا يمكن تفسيرها بوجود مرض عضوي واضح بعد الفحوصات الطبية المعتادة. تنشأ هذه الأعراض نتيجة تأثير الاضطرابات النفسية مثل التوتر، القلق، الاكتئاب، أو الصدمات العاطفية، مما يؤدي إلى تجليات جسدية دون أن يكون هناك خلل عضوي ظاهر يفسرها. ورغم أن التحاليل الطبية تكون “طبيعية”، إلا أن الأعراض حقيقية تمامًا، وقد تكون مؤلمة ومُعطّلة للحياة اليومية. هذا النوع من الاضطرابات لا يعني أن المريض “يتخيل” أو “يتوهم” الأعراض، بل هو يعاني فعلًا من نوع مرض يربط الألم النفسي بالجسدي، في صورة مرضية معقّدة تتطلب فهمًا أعمق وعلاجًا متكاملًا. 3. الآليات النفسية والبيولوجية 3.1 الجهاز العصبي الذاتي (Autonomic Nervous System) يلعب التوتر المزمن والقلق دورًا رئيسيًا في تنشيط الجهاز العصبي الذاتي، مما يؤدي إلى اضطرابات في معدل ضربات القلب، التنفس، ووظائف الجهاز الهضمي. هذا الخلل يرتبط بظهور أعراض جسدية مثل متلازمة القولون العصبي، الصداع، وأزمات الربو. كما أظهرت دراسة نُشرت في Psychosomatic Medicine أن مرضى القولون العصبي (IBS) يعانون من خلل حاد في توازن الجهاز العصبي الذاتي، ما يتجلى في تسارع ضربات القلب وانخفاض حساسية المستقبلات الشريانية (α‑index)، مما يؤكد العلاقة بين “التوتر” كمُسبب نفسي وظهور “ألم القولون” كعرض جسدي. 3.2 محور الوطاء-النخامة-الكظر (Hypothalamic-Pituitary-Adrenal Axis - HPA) يؤدي الإجهاد النفسي إلى تفعيل هذا المحور وزيادة إفراز هرمون الكورتيزول، ما يُسهم في اضطرابات النوم، ضعف المناعة، وزيادة الإحساس بالألم. كما يتأثر توازن هرمونات أخرى مثل الأدرينالين، السيروتونين، والدوبامين، مما يعزز ظهور الأعراض النفسجسدية ويُفاقم الاضطرابات المزاجية المصاحبة لها. 4. الأعراض أولًا: الأعراض الجسدية • آلام مزمنة غير مفسّرة: مثل آلام الرأس (الصداع التوتري أو النصفي)، آلام المفاصل والعضلات، أو آلام الظهر والرقبة. • اضطرابات في الجهاز الهضمي: مثل القولون العصبي، الغثيان، الانتفاخ، الإسهال أو الإمساك المزمن. • أعراض قلبية كاذبة: مثل خفقان، ضيق تنفس، ألم في الصدر، رغم سلامة القلب في الفحوصات. • مشاكل في النوم: صعوبة في النوم، أرق مزمن، أو نوم متقطع وغير مريح. • تعب عام أو إرهاق مستمر: حتى بعد الراحة، مع إحساس دائم بانخفاض الطاقة. • اضطرابات في الدورة الشهرية أو آلام الحوض لدى النساء، بدون سبب عضوي واضح. • أعراض جلدية: مثل الحكة أو الطفح الجلدي المرتبط بالتوتر، أو حالات مثل الأكزيما والصدفية التي تزداد سوءًا مع الضغط النفسي. ثانيًا: الأعراض النفسية المصاحبة • توتر داخلي دائم أو قلق يصعب تفسيره. • نوبات هلع أو إحساس بالخطر دون مبرر. • تقلبات مزاجية، أو شعور بالحزن والفراغ. • الإحساس بالانفصال عن الجسد أحيانًا (derealization أو depersonalization). 5. التشخيص والعلاج : 5.1 التشخيص عادة ما يتم التشخيص بناءً على التقييم السريري، ويشمل: • الفحص السريري الكامل • التحاليل الطبية (مثل اختبارات الدم والبول والأشعة) لاستبعاد الأسباب العضوية • استخدام مقاييس تقييم نفسي مثل GAD-7 للقلق وPHQ-9 للاكتئاب • التقييم النفسي الشامل من قِبل مختص في الصحة النفسية 5.2 العلاج التكاملي (Integrative Treatment) يتطلب التعامل مع الأعراض الجسدية الناتجة عن التوتر والقلق نهجًا تكامليًا يجمع بين العلاج النفسي، الطبي، ونمط الحياة. يشمل هذا النموذج : • العلاج السلوكي المعرفي (CBT): لتعديل أنماط التفكير القلقة وتخفيف التحسس الجسدي • العلاج الدوائي: مثل مثبطات امتصاص السيروتونين (SSRIs) لعلاج القلق المزمن أو الاكتئاب المصاحب • تقنيات الاسترخاء: مثل تمارين التنفس العميق، التأمل، واليوغا • التغذية والنوم: تحسين النظام الغذائي وجودة النوم له أثر مباشر على تنظيم الجهاز العصبي • الدعم الاجتماعي والتثقيف النفسي: يساعد في تقليل العزلة وفهم العلاقة بين العقل والجسد الهدف من العلاج التكاملي ليس فقط تخفيف الأعراض، بل تحسين جودة الحياة واستعادة التوازن بين الجسد والنفس. التوصيات: 1/ مع ازدياد الوعي بالارتباط العميق بين النفس والجسد، يُوصى الأطباء بمراعاة المنظور الشمولي في التعامل مع المرضى، وعدم اختزال الأعراض الجسدية في التفسيرات العضوية فقط. 2/ كما يُوصى بزيادة الوعي الاجتماعي حول الاهتمام بالصحة النفسية كجزء لا يتجزأ من الصحة الجسدية، والسعي لطلب الدعم النفسي عند الحاجة دون خجل، خاصة عند استمرار الأعراض الجسدية دون تفسير عضوي واضح. الخاتمة : الاضطرابات النفسجسدية تذكّرنا بأهمية فهم الإنسان ككل، نفسًا وجسدًا. ومع تزايد الأدلة على هذا الترابط، يصبح تبني النهج التكاملي في التشخيص والعلاج ضرورة لتحسين رعاية المرضى ونتائجهم الصحية. المراجع: ‏ 1. American Psychiatric Association. Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (DSM-5). Washington, DC: APA Publishing; 2013. ‏ 2. Semple D, Smyth R. Oxford Handbook of Psychiatry. 4th edition. Oxford University Press; 2019. ‏ 3. BMJ Best Practice. Somatic Symptom Disorder. Available at: https://bestpractice.bmj.com ‏ 4. UpToDate. Somatic Symptom Disorder and Related Conditions. Available at: https://www.uptodate.com ‏ 5. Mayo Clinic. Somatic Symptom Disorder. Available at: https://www.mayoclinic.org ‏ 6. Mazurak N, Enck P, Muth ER, Teufel M, Zipfel S. Heart rate variability as a measure of cardiac autonomic function in patients with irritable bowel syndrome: A review. Neurogastroenterology & Motility. 2012; 24(3